من المنفى حتى العودة

أن تولد وتكبر في مخيم للاجئين الفلسطينيين لا يعني أن تتخلى عن الوطن الذي هُجّرت منه الأجيال السابقة. من مخيم برج البراجنة في لبنان، تتأمل ريان قاسم في صعوبات الحياة اليومية في المنفى، والذاكرة التي تربط الأجيال الجديدة بفلسطين، والنضال من أجل حياة كريمة دون التنازل عن حق العودة.
بقلم: ريان قاسم | الكرامة – لبنان
أن تولد وتكبر في مخيم للاجئين الفلسطينيين لا يعني أن تتخلى عن الوطن الذي هُجّرت منه الأجيال السابقة. من مخيم برج البراجنة في لبنان، تتناول ريان قاسم تفاصيل الحياة اليومية في المنفى، والصعوبات التي يواجهها اللاجئون الفلسطينيون، والذاكرة التي تربط الأجيال الجديدة بفلسطين، والتمسك بالحق في حياة كريمة دون التنازل عن حق العودة.
يظن البعض أن المنفى يعني أن تكون بعيداً عن بلدك، وينتهي الأمر عند هذا الحد.
لكن الحقيقة أثقل من ذلك بكثير.
المنفى ليس أن تكون بعيداً عن وطنك فحسب، بل أن تعيش سنوات طويلة في مكان لا تستطيع فيه أن تبني مستقبلك كما تريد. أما حق العودة، فليس مجرد حنين إلى أرض غائبة، بل حق مرتبط بوطن لم تنقطع صلته بأبنائه، مهما طال الزمن وتغيّرت الأجيال.
في مخيم برج البراجنة، يتجلى المنفى في تفاصيل الحياة اليومية؛ في شاب ينهي دراسته ويبحث عن فرصة عمل، ثم يصطدم بقيود تحدّ من خياراته، وفي عائلة تحاول تأمين احتياجاتها وسط أعباء معيشية متزايدة. قد تولد في لبنان، وتكبر بين أزقة المخيم، وتعرف جيرانك وطرقاتك جيداً، ومع ذلك تظل صفتك كلاجئ فلسطيني مؤثرة في فرصك وحقوقك. هنا لا يعود المنفى مجرد مسافة تفصلك عن فلسطين، بل واقعاً يرافقك في قراراتك ومستقبلك.
تتخرج أجيال فلسطينية في الهندسة والتمريض والتعليم وغيرها من الاختصاصات، لكن الشهادة وحدها لا تضمن لها فرصة عمل مناسبة؛ فالقيود المفروضة على الفلسطينيين في بعض المهن تجعل الطريق أكثر صعوبة. وفي الوقت نفسه، تواجه عائلات كثيرة مشقة تأمين احتياجاتها الأساسية. هذه ليست تفاصيل منفصلة عن قضية اللجوء، بل جزء من أثرها المستمر في حياة الناس.
ومع مرور العقود، لم يعد جميع اللاجئين يحملون ذكريات مباشرة عن فلسطين. هناك أجيال عرفتها من حكايات الجدات، وصور القرى القديمة، وأسماء البيوت والأماكن التي بقيت حية في ذاكرة العائلة. قد لا تكون قد رأيت عكا أو حيفا أو صفد، لكنك قد تعرف عنها ما يكفي لتدرك أن غياب التجربة لا يعني انقطاع العلاقة، وأن مرور الزمن لا ينهي حقاً ولا يمحو قضية.
وفي غزة، يتجدد مشهد فقدان البيت مع العائلات التي تضطر إلى النزوح تحت القصف، تاركة خلفها أثاثها وذكرياتها وتفاصيل حياتها. تختلف تجربة التهجير القسري تحت الحرب عن تجربة اللجوء الممتدة في لبنان، كما تختلف ظروف الفلسطينيين في الضفة الغربية والقدس، لكن هذه الوقائع تضعنا أمام أسئلة مشتركة عن البيت والأمان والقدرة على العيش بحرية وكرامة.
لا يعني التمسك بحق العودة قبول الحرمان في أماكن اللجوء، كما لا تعني المطالبة بالحقوق المدنية والاجتماعية في لبنان التخلي عن فلسطين أو اعتبار المنفى وطناً بديلاً. من حق الفلسطيني أن يتعلم ويعمل ويعيش بكرامة، وأن يشارك في المجتمع الذي يعيش فيه، دون أن يُطلب منه التنازل عن هويته أو عن حقه في العودة.
من مخيم برج البراجنة، تبدأ الحكاية من حقوق يحتاجها الفلسطيني اليوم، وتمتد إلى حق العودة الذي لا يسقط بمرور الزمن. فبناء الحياة في المنفى لا يعني القبول به قدراً دائماً، والتمسك بالعودة لا يعني تأجيل الكرامة إلى الغد. للفلسطيني حق في حياة كريمة الآن، وحق في وطنه لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد ذكرى.
